"لبيك اللهم لبيك" نداء تصاعد منذ القدم لتلبية نداء الخالق لحج بيته العتيق. ما أحلى ذلك النداء وما أحلى وقعه على قلوب العباد. كيف لا وفي ذلك تلبية لدعوة جبار الجبابرة وملك الملوك. دعوة للنزول في ذلك البيت الطاهر وتلك البقعة المباركة. كم وكم من أقدام طاهرة وأنفاس عطرة ملئت ذلك المكان على مر العصور. أيام معدودة ويجتمع آلاف المسلمين من شتى أنحى الأرض المعمورة لتحضى بقبول تلك الدعوة الربانية.
لنخطو مع الحجاج في تلك الرحلة القلبية الصافية البعيدة كل البعد عن الرياء والسمعة. رحلة بين المخلوق والخالق بين العبد والسيد بين الفقير والغني. نبدأ بأول خطوة من مناسك العمرة وهي الميقات. حيث يخلع الرجال ملابسهم اليومية وتترك النساء زينتهن ويلبسوا تلك الملابس البيضاء النظيفة الخالية من أي مظهر من مظاهر الزينة والرفاهية. ذلك اللباس الموحد بين الفقير والغني بين الملك والموظف بين الأب والولد لا فرق بينهم فالكل سواء في ذلك المشعر المقدس. وفي ذلك من المعاني الجليلة التي يتوجب على الحاج والحاجة الإلتفات اليها. أليس هذا اللباس الأبيض هو نفسه ذاك اللباس الذي سوف يورى المسلمين به الثرى؟ فهو أخر لباس يلبسه الإنسان في هذه الحياة. يالهذا المعنى الجميل، ياترى هل هذا آخر عام لحج بيت الله الحرام؟ هل نكتب من حجاج بيت الله الحرام في العام القادم؟ الله أعلم.
وبعد الإنطلاق من الميقات للمسجد الحرام ترتفع الأصوات بقبول دعوة الملك الجبار حيث أمر نبيه إبراهيم الخليل بأمر الناس لهذا النسك المقدس حيث قال عز وجل في محكم كتابه وجليل خطابه بسم الله الرحمن الرحيم: (( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ )). الكل يهتف بعالي الصوت " لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك." يالهو من شعور جميل ويالها من لحظات رائعة.
وبالوصول الى ذلك البيت الطاهر يالهول الموقف. آلوف وآلوف من العباد في ملبس واحد يطوفون حول كعبة المسلمين. حلقات وحلقات بين مهلل ومسبح بين ممجد ومحوقل بين معترف للذنوب وطالب حاجة بين قارئ للقرآن ومنشغل بدعاء. الكل منشغل بالحديث والمناجة مع الخالق المبجل. ما أعظم تلك الصورة حيث يعجز الفنانون عن رسم صورة كتلك كأنه موقف من مواقف يوم القيامة حيث الخليقة تتجمع في ذاك اليوم المخيف.
بعد الإنتهاء من سبعة أشواط حول قبلة المسلمين وموطن مولد يعسوب الدين أمير المؤمنين يتوجه الحجاج بعد صلاة الركعتين خلف مقام سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام الى السعي بين الصفا والمروة. ما أحلى ذلك الموقف حيث السعي الحثيث مابين الجبلين المباركين. كم قدم خطت تلك الخطوات ومشت على ذلك الدرب ابتداءا من نبي الرحمة وخلفائه الكرام وصحبه الأمجاد وآلوف من العباد بين جاهل وعالم. فلا فرق بينهم جميعا فكلهم ابتدأوا من الصفا وانتهوا بالمروة. وخلال ذلك السعي ترى الكل منشغل في العبادة والطاعة. فهذا من أجمل وأروع الأوقات لمناجة رب الأرباب عز وجل.
وبعد ذلك السعي مابين الصفا والمروة والتقصير للإحلال من لبس الإحرام يكون بذلك نهاية القسم الأول من حج الله الأكبر. ويبدأ الإستعاد للقسم الثاني من الفيض الروحاني ومختلف الطقوس العبادية. مأجمل ذلك الوقت فهو وقت للدعاء والمناجة بعيدا عن مشاغل الحياة اليومية. فهو وقت خاص لذكر الله وطلب الحوائج والسؤال والتذلل والخضوع وطلب غفران الذنوب وتكفير السئيات.
11/11/2009
4:24 العصر
No comments:
Post a Comment