Friday, January 14, 2011

مذكرات حاج 2

بعد الإنتهاء من أعمال العمرة والإستظلال تحت ظلال رب العزة والجلال في بيته المقدس والتزود من ذلك الفيض الروحي والجلوس على تلك المائدة الربانية يبدأ الحجيج للإستعداد لمراسم القسم الثاني من حج الله الأكبر. حيث يبدأ الحجاج للإستعداد والتجهز للذهاب ليلة التاسع من شهر ذي الحجة المبارك بغسل تلك الألبسة البيضاء الخالية من أي رائحة زكيه كما يتم تجهيز صحف الذكر والدعاء واستحضار الحوائج للوفود على أكرم الكرماء وأجود الأجودين رب العالمين في صعيد عرفات. فتبدأ القوافل بالمسير إلى هناك وفي ذلك المسير ترى الجميع يلبون دعوة الخالق لحج بيته الحرام. بعد قطع تلك المسافة من مكة المكرمة إلى صعيد عرفات يستقر الحجاج في تلك الخيام المعدة لاستقبالهم. بعد النزول والجلوس في تلك المخيمات البسيطة البعيدة كل البعد عن مظاهر الترف تتجلى للجميع تلك الصورة من تساوي الناس حيث الكل في لباس واحد في مكان واحد وذلك من أعظم تجليات الحج. في تلك اللحظات ترى الحجيج منقسمين إلى قسمين. قسم قرر الخلود إلى النوم إستعدادا ليوم الغد وقسم آخر آثر استغلال ذلك الوقت بالدعاء والعبادة ومناجاة الخالق في تلك الليلة العظيمة. فيوم غد هو الحدث الأكبر حيث الوعد الإلهي حيث وعد عباده بغفران الذنوب وتوزيع الحوائج على ضيوفه.
هذه خيوط فجر التاسع قد ظهرت وهاهي البسمة قد علت وجوه الحجاج حيث هذا اليوم المرتقب فقد قال الرسول الكريم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام (( الحج عرفة )). تبدأ الرحلة العبادية في ذلك اليوم المقدس بصلاة الفجر وأذكار الصباح ثم التقوي على الطاعة بوجبة بسيطة بعد ذلك يبدأ الحجيج في الوفود الى الله سبحانه وتعالى بقلوبهم. في تلك اللحظات تكون القلوب طاهرة نقية كطهارة الجسم ونقاوته فهي الآن مهيئة للتحدث لخطاب المولى عز وجل. يالروعة المنظر حيث الجميع يقرأ تلك الكلمات العظيمة عن مولانا ومقتدانا الإمام الحسين عليه وآبائه وأبنائه سلام الله. حيث ذلك الكنز العظيم والكلمات التي تعجز الألسن عن وصف روعتها وعظيم معانيها. فالكل يستحضر في ذلك الوقت جميع الذنوب والسيئات والمعاصي ويبدأ الدعاء والإستغفار لطلب الغفران كما يدأب الجميع لطلب الحوائج لهم ولأهلهم وكل من سألهم الدعاء. في تلك اللحظات والكل منشغل في المناجاة والدعوات وكأنك تنظر إلى خلية نحل فالكل في شغل دؤوب لهم طنين دائما. عندما ترتفع الأصوات وتتخالط على العباد حيث ألوف الأصوات في وقت واحد الكل يدعو ويناجي الملك المبجل حيث لا تتخالط عليه الأصوات ولا الحوائج. فالكل في إلحاح في طلبهم وحوائجهم وذلك لمعرفتهم بكرم المولى عز وجل. وتتواصل مراسيم الدعاء والعبادة الى غروب شمس اليوم التاسع. حيث ينفض الجميع للذهاب إلى أرض مزدلفة للمبيت بها ليلة العاشر من ذلك الشهر. بعد الزحف الحثيث من عرفات إلى مزدلفة ترى جمع من الحجيج افترشوا تلك الأرض المباركة. كما كان الحال في ليلة التاسع تراه هنا كذلك. فبين من قرر الراحة للإستعداد إلى مراسم اليوم العاشر يوم عيد الحجاج وبين من آثر العبادة على النوم.
عند طلوع فجر يوم العاشر تنظر إلى الحجاج في مسيرة واحدة. ما أهيبها من مسيرة وما أعمق معناها. حيث كل الدول كل الألوان كل الطبقات الإجتماعية الكل في مسيرة واحدة متجهين الى منى. فلنتوقف على معنى من تلك المعاني حيث ترى العربي والأعجمي حيث الأبيض والأسود حيث الغني والفقير الكل سواء كأسنان المشط. فلنتفكر في هذا الموقف؟ لماذا نتكبر على الناس؟ لماذا نرى أنفسنا أفضل من غيرنا؟ لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى كما قال رسول الرحمة المصطفى عليه أزكى وأطيب الصلوات. الحج من أكبر وأغنى المدارس في الحياة حيث الحجاج يتزودون عبادياً وينبغى التزود أخلاقياً حيث تلك من الفرص الثمينة.
بعد قطع تلك المسافة هاهم الحجاج وصلوا الى أرض منى حيث يتوجه الجميع الى تلك المخيمات لأخذ قسط من الراحة والتزود بالقليل من الزاد والإستعداد للذهاب لرمي العقبة الكبرى حيث رمي سبع حصيات على تلك العقبة. ما أجمله من معنى حيث نرمي الشيطان الرجيم كما فعل أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام حينما حاول منعه من تنفيذ أوامر الله ورماه بسبع حصيات فابتعد عنه. وذلك ما يجب علينا أن نتعلمه من ذلك الموقف حيث يجب علينا أن نحارب وساوس الشيطان الذي يمنعنا عن تنفيذ أوامر الله عز وجل. وبعد رمي العقبة الكبرى تأتي المرحلة الثانية ألا وهي ذبح الهدي. والحمد لله في هذه الأيام الأمور ميسرة فهناك جمع من المتطوعين يقومون بذبح الأضاحي بعد توكيلهم . بعد ذلك يأتي العمل الثالث من أعمال يوم العاشر وهو الحلق والتقصير. وبذلك تأتي العلامة للإحلال من لبس الإحرام ولبس اللباس اليومي.
بعد كل تلك الأعمال المليئة بالفيض الروحاني يتبقى على الحجاج مبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر في منى ورمي العقبات الثلاث ابتداء بالصغرى فالوسطى والكبرى. ويتبقى بعد ذلك أعمال مكة المكرمة والنفرة من منى يوم الثاني عشر من ذلك الشهر ومن ثم الرجوع الي بيت الله الحرام والى تلك الضيافة الربانية. يالروعة ذلك المنظر حيث تلك الكسوة الجديدة على كعبة المسلمين وموطن قلوب المصلين. يالجمال تلك الكسوة وأزكى رائحتها. في تلك الأيام يزدحم المسجد الحرام بالطائفين والركع السجود. نفر من الحجيج تراهم يطوفون حول الكعبة ونفر يسعون بين الصفا والمروة و آخرون بين راكع وساجد بين قارئ للقرآن و كتاب دعاء.
في يوم الثاني عشر من ذي الحجة الكل مستعد للنفرة من منى كعلامة لإنتهاء الحج الأكبر وبذلك انتهت الرحلة الربانية العبادية.
وتبدأ الدعوات من الحجيج الى خالقهم لطلب التوفيق للعودة في العام القادم وكل عام. وبعد ذلك تبدأ التهاني بين الحجيج بعضهم البعض بالتوفيق لحج البيت الحرام في هذا العام. فالكل مسرور ومبتسم من إختتام تلك المناسك. ويبدأ الإستعداد للعودة للأوطان محملين بالهدايا والذكريات الجميلة وتلك الثروة العبادية والأخلاقية. فتلك إحدى الرحلات التي تقوم شخصية الإنسان وتبرزه بحقيقته.
وبذلك تكون نهاية حج بيت الله الحرام وفقنا الله وإياكم لحج بيت الله الحرام في عامنا هذا وكل عام.
16/11/2009
10:18 صباحا

No comments:

Post a Comment